محمد سعيد رمضان البوطي
146
فقه السيرة ( البوطي )
اللّه قريب وإن وسائل هذا النصر توشك أن تتحقق بين كل لحظة وأخرى . 7 - وتكشف لنا الصورة التي استقبلت بها المدينة المنورة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن مدى المحبة الشديدة التي كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالا ونساء وأطفالا ، لقد كانوا يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، حتى إذا هب النهار ليدبر ، عادوا أدراجهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم الثاني ، فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف في صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد والأهازيج فرحا لمرآة عليه الصلاة والسلام ومقدمه عليهم ، ولقد بادلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المحبة ذاتها ، حتى إنه جعل ينظر إلى ولائد بني النجار من حوله ، وهن ينشدن ويتغنين بمقدمه ، قائلا : « أتحببنني ؟ واللّه إن قلبي ليحبكن » . ويدلنا كل ذلك أن محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليست في مجرد الاتّباع له ، بل المحبة له هي أساس الاتباع وباعثه ، فلو لا المحبة العاطفية في القلب لما وجد وازع يحمل على الاتباع في العمل . ولقد ضلّ قوم حسبوا أن محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليس لها معنى إلا الاتباع والاقتداء ، وفاتهم أن الاقتداء لا يأتي إلا بوازع ودافع ، ولن تجد من وازع يحمل على الاتباع إلا المحبة القلبية التي تهز المشاعر وتستبد بالعواطف ، ولذلك جعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم مقياس الإيمان باللّه امتلاء القلب بمحبته عليه الصلاة والسلام ، بحيث تغدو متغلبة على محبة الولد والوالد والناس أجمعين ، وهذا يدلّ على أن محبة الرسول من جنس محبة الوالد والولد ، أي مصدر كل منهما العاطفة والقلب وإلا لم تصح المقارنة والمفاضلة بينهما . 8 - أما الصورة التي رأيناها في مقامه صلى اللّه عليه وسلم عند أبي أيوب الأنصاري في منزله ، فتكشف لنا مظهرا آخر من محبة أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له . والذي يهمنا من ذلك هنا ، هو التأمل في تبرك أبي أيوب وزوجه ، بآثار أصابع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قصعة الطعام ، حينما كان يردّ عليهما فضل طعامه ، إذا ، فالتبرك بآثار النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر مشروع قد أقره . وقد روى البخاري ومسلم صورا كثيرا أخرى من تبرك الصحابة بآثار النبي عليه الصلاة والسلام والتوسل بها للاستشفاء أو العناية والتوفيق وما شابه ذلك . من ذلك ما رواه البخاري في كتاب اللباس ، في باب : ما يذكر في الشيب ، من أن أم سلمة زوج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كانت تحتفظ بشعرات من شعر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في جلجل لها - ما